“إلهام شاهين” تعود بلا خطوط حمراء •• من العشق إلى فضح إمبراطوريات الوهم
كتبت: ندا سرحان.
في تاريخ الفن العربي أسماء كثيرة مرّت من أمام الجمهور، حققت نجاحًا، وحصدت شهرة، ثم تركتها السنوات تتوارى تدريجيًا خلف أجيال جديدة وموجات متلاحقة من النجومية السريعة. لكن هناك أسماء نادرة استطاعت أن تهزم الزمن نفسه، وأن تتحول من مجرد نجوم إلى علامات مضيئة في ذاكرة أمة كاملة، وأحد أبرز هذه الأسماء بلا شك هي الفنانة الكبيرة “إلهام شاهين”.
فهي ليست مجرد ممثلة قدمت عشرات الأفلام والمسلسلات، وليست فقط نجمة عاشت عصرًا ذهبيًا من عصور السينما المصرية، بل حالة فنية استثنائية صنعت مشروعًا متكاملًا قائمًا على الجرأة والتجديد والمغامرة المستمرة، حتى بات اسمها مرتبطًا بكل عمل يرفض السطحية ويبحث عن الإنسان المختبئ خلف الضجيج.
واليوم، وبعد خمسة أعوام من الغياب عن شاشة السينما منذ فيلم «حظر تجول»، تعود إلهام شاهين من جديد، لكنها لا تعود كما يغيب الآخرون ثم يعودون، بل تعود حاملة مشروعين مختلفين تمامًا، وكأنها تريد أن تؤكد أن الفنان الحقيقي لا يعيش على أمجاد الماضي، بل يصنع مستقبلًا جديدًا كلما ظن الجميع أن الرحلة وصلت إلى نهايتها.
– عندما يكتب الحب فصوله الأخيرة :
في أحد طرفي المشهد تقف الرومانسية بكل ما تحمله من هشاشة وجمال وألم، حيث تستعد شاهين لخوض تجربة فيلم «حين يكتب الحب»، وهو عمل يذهب إلى المناطق الأكثر دفئًا داخل النفس البشرية، ويبحث في العلاقات الإنسانية بعيدًا عن القوالب الجاهزة والشعارات المستهلكة.
الفيلم لا يتعامل مع الحب بوصفه حكاية وردية عابرة، بل باعتباره قوة قادرة على تغيير المصائر وصناعة الانكسارات وإعادة تشكيل الأرواح. عالم كامل من المشاعر المتناقضة، حيث تتجاور الأحلام مع الخيبات، وتصبح الكلمات البسيطة أكثر خطورة من الرصاص أحيانًا.
ويضم العمل نخبة من النجوم، بينهم أحمد الفيشاوي، ودرة، ومعتصم النهار، وجميلة عوض، وعايدة رياض، وإلهام صفي الدين، في تجربة تسعى إلى إعادة الاعتبار للدراما الإنسانية التي طالما كانت إحدى ركائز السينما الحقيقية.
«الحافي» الوجه القبيح لعصر السوشيال ميديا :
لكن إذا كان «حين يكتب الحب» يغوص في القلب، فإن فيلم «الحافي» يذهب مباشرة إلى العقل، ويضع إصبعه على واحد من أخطر أمراض العصر.
هنا لا تقدم إلهام شاهين مجرد شخصية درامية، بل تواجه ظاهرة اجتماعية تتضخم يومًا بعد يوم؛ ظاهرة المشعوذين الجدد الذين استبدلوا الخيام القديمة بالشاشات الذكية، واستبدلوا الطلاسم التقليدية بخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي.
في هذا العمل الجريء، تجسد شاهين شخصية «عزيزة»، المرأة التي تدرك جيدًا نقاط ضعف البشر، فتستثمر مخاوفهم وأحلامهم وشغفهم بالمجهول لتبني إمبراطورية كاملة من الوهم.
إنها شخصية تحمل الكثير من التناقضات؛ القوة والضعف، الذكاء والخداع، النفوذ والهشاشة، وهو النوع من الشخصيات المركبة الذي لطالما برعت إلهام شاهين في تقديمه على مدار مشوارها الطويل.
ومن خلال أحداث الفيلم، تتحول التكنولوجيا إلى بطل خفي يكشف كيف أصبحت الخرافة أكثر قدرة على الانتشار من الحقيقة، وكيف تحول بعض صناع المحتوى إلى تجار للأمل الزائف يبيعون الوهم بالملايين.
– فنانة اختارت دومًا الطريق الأصعب :
ربما تكمن خصوصية إلهام شاهين في أنها لم تبحث يومًا عن الطريق السهل.
فعلى مدار أكثر من أربعة عقود، ظلت واحدة من الفنانات القلائل اللاتي امتلكن شجاعة الاصطدام بالقضايا الشائكة والملفات المسكوت عنها. لم تخف من الجدل، ولم تتراجع أمام الانتقادات، ولم تسمح للخوف بأن يفرض عليها نوعية الأدوار التي تقدمها.
بين «يا دنيا يا غرامي» و«خلطة فوزية» و«هز وسط البلد» و«واحد صفر» و«حظر تجول»، كانت دائمًا هناك امرأة تحاول أن تقول شيئًا مختلفًا، وأن تمنح المهمشين صوتًا، وأن تكشف ما يختبئ خلف الأقنعة الاجتماعية اللامعة.
ولهذا لم تكن أفلامها مجرد أعمال للترفيه، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مرايا تعكس المجتمع بكل تناقضاته وأوجاعه وأسئلته المؤجلة.
••بين النجومية والموقف••
ما يميز إلهام شاهين أيضًا أنها لم تفصل يومًا بين الفنان والإنسان.
فعلى الرغم من نجوميتها الكبيرة، حافظت على حضور إنساني واضح جعلها قريبة من زملائها وجمهورها. وفي كل مناسبة تقريبًا، تثبت أنها لا تتعامل مع الفن كمهنة فقط، بل كعلاقة ممتدة مع الناس والحياة.
وقد ظهر ذلك مؤخرًا في دعمها للفنانة هبة مجدي بعد تعرضها لوعكة صحية، وهي لفتة أعادت التأكيد على الوجه الإنساني لفنانة لم تكتفِ ببناء رصيد فني ضخم، بل بنت أيضًا رصيدًا من المحبة والاحترام داخل الوسط الفني وخارجه.
– لماذا تبقى إلهام شاهين ؟
لأنها ببساطة لم تكن يومًا ابنة الصدفة.
لم تصنعها موجة عابرة، ولم يحملها ترند مؤقت، ولم تعتمد على الضجيج لصناعة حضورها. بل بنت مكانتها حجرًا فوق حجر، ودورًا فوق دور، وتجربة فوق أخرى، حتى أصبحت واحدة من أكثر الفنانات رسوخًا في الوعي الثقافي المصري والعربي.
وفي وقت تتغير فيه الأسماء بسرعة مذهلة، تبقى إلهام شاهين واحدة من العلامات النادرة التي نجحت في الحفاظ على بريقها دون أن تتخلى عن هويتها، ودون أن تستسلم لإغراءات التكرار أو الاستسهال.
– عودة تليق بتاريخ لا يعرف الأفول :
مع «حين يكتب الحب» و«الحافي»، لا تعود إلهام شاهين إلى السينما فحسب، بل تعود لتجدد العهد مع مشروع فني طويل آمن دائمًا بأن الفن ليس رفاهية، وإنما موقف، وليس مجرد حكايات تُروى، بل أسئلة تُطرح، ومرايا تُرفع أمام المجتمع ليواجه نفسه.
إنها عودة نجمة تعرف جيدًا أن الزمن قد يغير ملامح الأشياء، لكنه لا يستطيع أن ينتزع مكانة من صنعها الإبداع والموهبة والصدق.
وهكذا، وبين دفاتر العشق التي يفتحها «حين يكتب الحب»، وإمبراطوريات الوهم التي يفضحها «الحافي»، تواصل إلهام شاهين كتابة فصل جديد من رحلة استثنائية، رحلة تؤكد أن النجوم الحقيقيين لا ينتظرون الزمن ليخلدهم، بل يكتبون خلودهم بأنفسهم .. عملًا بعد عمل، وحلمًا بعد حلم، وتاريخًا بعد تاريخ.
