بين صفقة الدم ونوبات الهلع.. كيف أكلت «بئر برهوت» أجساد وأرواح أبطالها؟
كتب / عبدالرحمن الهواري
شهد المسرح مؤخراً تقديم العرض المسرحي «بئر برهوت»، وهو عمل يتناول صراع الإنسان مع الشياطين والسحر الأسود، والمشاعر المتناقضة بين الحب، الخيانة، والجنون. نلتقي اليوم بأبطال العرض ليحدثونا عن تفاصيل شخصياتهم ومشاعرهم وهم يواجهون الجمهور على خشبة المسرح.
اخراج و تأليف/ عبدالرحمن عماد . زغلول.
1. الفنانة: ميار هاني (جسّدت شخصية «ريناد»)
س: هل لكِ أن تخبرينا عن أبعاد شخصية «ريناد» في العرض؟
ميار: ريناد هي الشقيقة الصغرى لـ «خالد». عانيا منذ الصغر بعد أن ألقى بهما والداهما في الشارع، فكان خالد هو الأب والراعي لها. ريناد شخصية فضولية للغاية، تتملكها سوداوية وتغلب عليها قناعة بأن لا أحد يشعر بآلام غيره. كانت مستعدة للمخاطرة بأي شيء من أجل شقيقها، لكن الأحداث تتطور في إطار درامي مرعب؛ حيث تقتل شقيقها، وعندما تحاول قتل الشيطان «سالم»، يسبقها ويقضي على حياتها.
س: كيف كان شعوركِ وأنتِ تقفين على خشبة المسرح للمرة الأولى؟
ميار: كنت متوترة للغاية، لكن الحماس كان يملأني لأنني أقدم شيئاً أحبه. بمجرد أن وطأت قدمي الخشبة، شعرت بطاقة هائلة حتى أن صوتي كان يصل لوضوح تام لآخر صفوف الجمهور. ورغم حدوث بعض الأخطاء التقنية في الإضاءة والموسيقى والإشارات (الكيوهات)، إلا أنني حاولت تداركها سريعا.
س: هل واجهتكِ مواقف صعبة أو ارتجالية خلال العرض؟
ميار: نعم، في أحد المشاهد كان المعتاد أن تخرج الممثلة «لاقيس» من المنتصف، لكنها لم تظهر، فبادرت بفتح الباب لها وأكملنا المشهد. وفي مشهد قتل «خالد»، سقطت السكين مني ولم أجدها، فارتجلت واستخدمت سكيناً خيالياً كما كنا نفعل في البروفات. لكن إحدى الزميلات خلفي ظلت تهتف بصوت عالٍ: “السكين! السكين!”، فاضطررت للتظاهر بالبحث عنها وسيطرت على الموقف. رغم كل شيء، عشت لحظات تحفة بين البكاء والفرح.
2. الفنانة: دنيا زاد ماضي (جسّدت شخصية «دارين»)
س: حدثينا عن مأساة «دارين» مالكة الكافيه؟
دنيا: دارين هي صاحبة المقهى الذي يعتاد «سالم» زيارته. تعلق قلبها به وأحبته بحرارة من طرف واحد، دون أن يدري عن مشاعرها شيئاً. وعندما قررت الاعتراف له، كانت الصدمة الكبرى؛ حيث اكتشفت أنه شيطان حقيقي وليس إنساناً، وأنه المتسبب في مقتل أصدقائها. رغم ضياع كرامتها من أجله، وجدت نفسها أمام نهاية مأساوية على يد «أرديم» (زوجة سالم الشيطانة المتنكرة في هيئة نرمين)، لتنتهي قصة فتاة أحبت شيطاناً وظنته بشراً.
س: كيف كانت عودتكِ للمسرح بعد غياب دام 3 سنوات؟
دنيا: كانت عودة مختلفة ومفعمة بالمشاعر؛ لأن المسرح جزء مني. قبل العرض، كنت أحاول إظهار القوة وتشجيع زملائي والتخفيف من توترهم قائلاً: “نحن نمثل لأنفسنا ونستمتع”، بينما كنت أخفي خوفي وتوتري الشديد داخلي.
س: وماذا حدث بعد ختام العرض واستجابة جسدكِ لهذا الضغط؟
دنيا: بمجرد انتهاء العرض وهبوط الأدرينالين، لم يستطع جسدي التحمل وأصبت بنوبة هلع (Panic Attack)؛ لأنني كتمت مشاعري لأكون سنداً لغيري. لكن رغم ذلك، جائني إحساس واحد ووحيد: “لقد عدت بيتي”. العروض السابقة كانت إثباتاً لقدرتي على التمثيل، أما هذه المرة فكانت إثباتاً لأن المسرح ما زال يعتبرني ابته.
3. الفنان: نور خالد نبيل (جسّد شخصية «سامح»)
س: كيف دخل «سامح» في عالم السحر الأسود؟
نور: سامح شاب عادي أرهقته الظروف، واستغلت الشيطانة «سلبا» لحظة ضعفه، فهماست له وعقدت معه “عهداً بالدم”. منحته كل ما يتمنى بشرط السجود لها يومياً والخروج عن طاعة الله. وفي النهاية، عندما استيقظ من كابوسه، كان بند العهد يقتضي موت من ينهيه، فكانت نهايته على يد «سلبا» مقدسة الدماء.
س: كيف واجهت جمهور «بئر برهوت»؟
نور: وقفت على المسرح سابقاً في المسرح المدرسي، لكن الأمر هناك كان أسهل لأن الجمهور من الأقارب والمعلمين. أما في «بئر برهوت»، فبمجرد إغلاق الستار وسماع هتاف الجمهور، شعرت برهبة شديدة، لكن مع أول ظهور لي على الخشبة أُغلق عليّ الستار الداخلي ودخلت في الشخصية تماماً للتركيز على هدفي وهو تحقيق حلمي.
4. الفنانة: دنيا (جسّدت شخصية «سلبا»)
س: ما هي طبيعة ودور «سلبا» في إشاعة الشر؟
دنيا: «سلبا» هي خادمة سيد الظلام ومقدسة الدماء، تتغذى على الموت والسحر الأسود. تدعي السيطرة المطلقة والقوة لإرهاب الشخصيات والتلاعب بهم، لكن العرض يكشف في النهاية أن جزءاً كبيراً من سلطتها قائم على الخداع والأكاذيب وليس على قوة حقيقية.
5. الفنان: عبد الرحمن محمد فتحي «شلبي» (جسّد شخصية «سالم / سُدى ابن إبليس»)
س: «سالم الطيب» يتحول إلى «سُدى ابن إبليس».. كيف أتقنت هذا التحول الخاطف؟
عبد الرحمن: هذا التوفيق يعود للّه أولاً، ثم للتوجيهات المستمرة من المخرج (أخي الأكبر زغلول) الذي عمل معي كثيراً لنقل الشخصية من الحمل الوديع إلى الشيطان الحقيقي. كنت أعمل على نفسي بجد، وأردد أنني يجب أن أكون على قدر الثقة.
س: ما الذي يدفع شيطاناً للتشكل في هيئة بشر والانتقام منهم؟
عبد الرحمن: الشياطين منذ بدء الخلق تحمل الكره للبشر لأن الله فضل بني آدم على سائر المخلوقات، لذا يسعون بكل الطرق لإهلاكهم. «سُدى» تظاهر بالطيبة وأغوى الجميع للذهاب للقصر وللبئر ليقضي عليهم واحداً تلو الآخر.
س: ما هي سيكولوجية الإغواء التي اعتمدتها مع الضحايا؟
عبد الرحمن: لم تكن كلمة بل أسلوب تلاعب نفسي؛ كنت حريصاً على نصيحتهم بعدم الذهاب إلى القصر، ولكن بطريقة استفزازية مشجعة! كنت أعلم أنهم بسبب فضورهم وسخريتهم سيصرون على الدخول، وهذا ما حدث.
س: ما رسالتك للذين ينخدعون بالوجوه البراقة؟
عبد الرحمن: ليس كل من يحيط بك يحب لك الخير، حتى وإن كان أقرب الناس إليك. لا تنخدع بالابتسامات والكلمات العذبة؛ فالضربة القاضية قد تأتي غالباً ممن لم تتوقع منه الخيانة أبداً.
6. الفنان: عمرو كمال مصطفى (جسّد شخصية «إسلام»)
س: كيف تنتهي رحلة الشاب «إسلام» المتساهل في العرض؟
عمرو: إسلام شاب مستهتر يرتاد المقهى لمعاكسة الفتيات. التقى هناك بشباب وصادقهم وذهب معهم للقصر، لي شاهد مقتلهم واحداً تلو الآخر. وعندما جاء دوره، اكتشف أن الفتاة التي يلاحقها هي زوجة صديقه «محمود» بعقد عرفي! وبعد شجار عنيف يقتله، ليستيقظ فجأة على أهوال ما فعل، ومن شدة وسوسة الشيطان والجنون، يقتلها وينتحر.
س: كيف أدرت مشاعر الخوف وال ثقة لديك قبل الصعود للخشبة؟
عمرو: كانت ثقتي بنفسي عالية جداً، لكنني كنت أخشى الخطأ في المشاهد الثلاثة الأخيرة. الخوف لم يكن من الجمهور، بل من نفسي، لدرجة أن قدمي كانت ترتجف! ولكن مع أول خطوة على الخشبة وحفظي القوي للدور، تحول الخوف إلى طاقة وحماس. كنت أنظر للجمهور لأستمد منهم القوة والباور لتقديم أفضل أداء.
7. الفنانة: سما إسماعيل (جسّدت شخصية «نور»)
س: ما هي دوافع شخصية «نور» في مواجهة خطر القصر؟
سما: نور شخصية اجتماعية، خفيفة الظل، وجريئة. لا تقبل الظلم أو استغلال الضعفاء. تملك روح المغامرة؛ لذا لم تتعامل مع موضوع القصر والجن برعب، بل بشجاعة. والدفع الأكبر لها كان حبها القديم لـ «أحمد»، فهو حب صادق وغير أناني جعلها تخوض الخطر بجانبه.
8. الفنان: محمد مصري (جسّد شخصية «جون»)
س: شخصية «جون» تتأرجح بين المرض النفسي والمسّ الشيطاني، كيف تشرح ذلك؟
محمد: جون هو السبب في وصول الساحر «ديافلو» لبئر برهوت؛ الاستعانة به في أمور شخصية جعلت الشيطان «خنزب» (شيطان الوسوسة والشك) يتسلل لحياته، ويستغل أكبر نقاط ضعفه وهي زوجته «ميرتيا». جون لا يعاني من انفصام الشخصية بالمعنى الطبي، بل يتربص بين ضلوعه شيطان حقيقي يظهر في العرض كأنه الجزء الثاني من ذاته.
س: كيف تعاملت مع أخطاء الإضاءة خلال مشهدك الرئيسي؟
محمد: اضطربت في البداية لأن مشهدي معتمد كلياً على الإضاءة التي تم تجاهل توجيهاتها. لكنني تداركت الأمر بسرعة، وارتجلت في الحركة باتجاه الممثلة التي تجسد دور «ميرتيا»، والتي استجابت بذكاء وارتجلت معي. كان هدفي على الخشبة هو مساعدة زملائي لإظهار العرض بأفضل صورة ممكنة.
9. الفنان: عبد الرحمن محمد عبد الحميد (جسّد شخصية «ماجد جولفادور استانوس»)
س: كيف تورط الصحفي «ماجد» في استدعاء ملك السحر الأسود؟
عبد الرحمن: ماجد صحفي مهووس بما وراء الطبيعة. أعطته صحيفته إجازة مرضية للتشكيك في قواه العقلية، لكنه أصر على الذهاب للقلعة لاستكشاف أسرارها. اصطحب معه «سلمى» و«سامح» لشغفهما المماثل. وعندما بدأ الجميع بالموت، قرر قراءة طلسم وجده في كتب قديمة لتحرير «ديافلو» ملك السحر الأسود، ظناً منه أنه سينقذهم، لكن ديافلو غدر به وقتله.
س: كيف كانت تجربتك أمام الجمهور؟
عبد الرحمن: كانت تجربة رائعة للغاية، لم أشعر بالخوف بل بالثقة في نفسي وفي زملائي على الخشبة.
10. الفنانة: منه حسين (جسّدت شخصية «نرمين»)
س: ما الذي دفع «نرمين» لتسليم جسدها للشيطان؟
منه: نرمين فتاة أثرية وطيبة، عانت من فجوة عاطفية بسب غياب والدها، فتعقت بـ «خالد» ليعوضها. لكنه استغلها وخاطبها للنصب عليها. الصدمة والخيانة ولدتا لديها حزناً وكسرة ورغبة عارمة في الانتقام، مما جعلها تغيب عن وعيها وتسمح لشيطانة بمشاركتها جسدها للانتقام منه.
11. الفنانة: آَش (جسّدت شخصيتي «سلمى» و«ميرتيا»)
س: كيف وازنت بين شخصيتين متناقضتين في نفس العرض؟
آَش:
سلمى: فتاة ثرية جداً، عاشت وحيدة وتبحث عن كل ما هو غريب. يصادقها الناس لأجل المال فقط، لذا رافقت «ماجد» و«سامح». خلف تظاهرها بالقوة واللامبالاة، كانت تخفي خوفاً وهشاشة داخلية.
ميرتيا: شخصية هادئة ورومانسية، تحب زوجها «جون» ومستعدة لفعل أي شيء من أجله، وكان خوفها الأكبر هو أن يتركها.
التجربة: التناقل بين المشاعر المتناقضة للشخصيتين كان حماسياً ومربكاً في آن واحد، واستجابة الجمهور الخائفة أو المتفاعلة كانت المشجع الأكبر لي.
12. الفنانة الواعدة: جودي أحمد (جسّدت شخصية «مريم»)
س: حدثينا عن دوركِ وشعوركِ بعد انتهاء العرض؟
جودي: جسدت دور «مريم»، وهي فتاة من طبقة راقية أحبت شاباً أقل منها اجتماعياً وتزوجته عرفياً خوفاً من رفض أهلها. كنت خائفة في البداية، لكن الخوف زال عندما رأيت إشادة المخرجين بأدائي، وجمهور العرض كان ممتعاً ولطيفاً للغاية وسعدت جداً بتفاعله.
يبدو أن مسرحية «بئر برهوت» لم تكن مجرد عرض مسرحي يتناول قضايا الرعب والسحر، بل كانت اختباراً حقيقياً لطاقات شبابية استطاعت تدارك العقبات الفنية على الخشبة، وتحويل الخوف إلى إبداع يلمس قلوب الحاضرين.
